الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
108
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 49 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 49 ] فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 49 ) الفاء لتفريع هذا الكلام على قوله : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [ الزمر : 45 ] الآية وما بينهما اعتراض مسلسل بعضه مع بعض للمناسبات . وتفريع ما بعد الفاء على ما ذكرناه تفريع وصف بعض من غرائب أحوالهم على بعض ، وهل أغرب من فزعهم إلى اللّه وحده بالدعاء إذا مسهم الضر وقد كانوا يشمئزّون من ذكر اسمه وحده فهذا تناقض من أفعالهم وتعكيس ، فإنه تسبب حديث على حديث وليس تسببا على الوجود . وهذه النكتة هي الفارقة بين العطف بالفاء هنا وعطف نظيرها بالواو في قوله أول السورة وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ [ الزمر : 8 ] . والمقصود بالتفريع هو قوله : فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ، وأما ما بعده فتتميم واستطراد . وقد تقدم القول في نظير صدر هذه الآية في قوله : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ [ الزمر : 8 ] الآية . وأن المراد بالإنسان كل مشرك فالتعريف تعريف الجنس ، والمراد جماعة من الناس وهم أهل الشرك فهو للاستغراق العرفي . والمخالفة بين الآيتين تفنن ولئلا تخلو إعادة الآية من فائدة زائدة كما هو عادة القرآن في القصص المكررة . وقوله : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ إِنَّما فيه هي الكلمة المركبة من ( إنّ ) الكافة التي تصير كلمة تدل على الحصر بمنزلة ( ما ) النافية التي بعدها ( إلّا ) الاستثنائية . والمعنى : ما أوتيت الذي أوتيته من نعمة إلا لعلم منيّ بطرق اكتسابه . وتركيز ضمير الغائب في قوله : أُوتِيتُهُ عائد إلى نِعْمَةً على تأويل حكاية مقالتهم بأنها صادرة منهم في حال حضور ما بين أيديهم من أنواع النعم فهو من عود الضمير إلى ذات مشاهدة ، فالضمير بمنزلة اسم الإشارة كقوله تعالى : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ [ الأحقاف : 24 ] . ومعنى قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ اعتقد ذلك فجرى في أقواله إذ القول على وفق الاعتقاد . و عَلى للتعليل ، أي لأجل علم ، أي بسبب علم . وخولف بين هذه الآية وبين آية سورة القصص [ 78 ] في قوله : عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فلم يذكر هنا عِنْدِي لأن المراد بالعلم هنا مجرد الفطنة والتدبير ، وأريد هنالك علم صوغ الذهب والفضة والكيمياء